استفتاء كتالونيا الدامي.. الحلم يصطدم بالعنف
استفتاء كتالونيا الدامي.. الحلم يصطدم بالعنف

أعمال العنف التي رافقت استفتاء انفصال كتالونيا عن إسبانيا اليوم الأحد لم تكن مفاجئة، إذ أعلنت حكومة الإقليم إصابة 337 شخصًا بجروح بعد تعرضهم للضرب من الشرطة الإسبانية، فيما أكدت سلطات مدريد من جانبها إصابة 11 عنصر أمن، وأنَّ التوتر لا يزال قائمًا.

 

يطالب إقليم كتالونيا بالانفصال عن الحكومة المركزية، وهو يتمتع بأوسع تدابير للحكم الذاتي بين أقاليم إسبانيا، ويأتي ترتيبه السابع من بين 17 إقليما تتمتع بحكم ذاتي في البلاد.

 

تفجرت الأزمة في 6 سبتمبر الجاري، بتبني برلمان كتالونيا قانونًا لتنظيم الاستفتاء رغم حظره من المحكمة الدستورية، ومضت حكومة كتالونيا في الأمر، ودعت لتنظيم الاستفتاء، رغم العديد من التحذيرات من السلطات المركزية في مدريد.

 

وفي محاولات منع الاستفتاء، حطّمت الشرطة نوافذ مركز رياضي يستخدم مركزًا للاقتراع في منطقة جيرونا واقتحمته بالقوة قبل دقائق من إدلاء رئيس حكومة الإقليم كارلاس بوتشديمونت بصوته فيه.

 

كما اندلعت الاشتباكات عندما شرعت قوات الشرطة والحرس المدني في سحب صناديق الاقتراع من المراكز المفتوحة للتصويت، حيث ترى الحكومة المركزية أنَّ هذا الاستفتاء غير شرعي، بينما أقام مواطنون حواجز بشرية أمام أبواب مراكز الاقتراع، كما نقلوا صناديق وأوراق الاقتراع إلى مراكز في مدارس ومؤسسات ثقافية.

 

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن شهود عيان أن الشرطة أطلقت الرصاص المطاطي على الناخبين في الاستفتاء، كما أظهرت صور تداولها نشطاء على "موقع التواصل الاجتماعي تويتر" اعتداءات وصفها بأنَّها وحشية لقوات الأمن أمام مراكز الاقتراع على استقلال انفصال الإقليم.

 

وظهرت قوات فض الشغب الإسبانية وهي تحمل سيدة مُسنة بوحشية، وأخرى وهم يعتدون على فتاة بالضرب، وظهرت سيدة ورجل وقد لُطخ وجهاهما وملابسهما بالدماء الغزيرة جراء اعتداءات الشرطة.

 

ووقعت أحداث عنيفة فى مدرسة "رامون لول" ببرشلونة، وفي مدرسة بسانت جوليا دي راميس "خيرونا".

 

كما أصيب أشخاص فى العين برصاص الشرطة  المركزية، ويعانى رجل من نوبة قلبية فى مدينة ليدا على أثر هجوم الشرطة عليه.

 

وزير الداخلية خوان إغناثيو ثويدو صرَّح بأنَّ الشرطة الكتالونية طلبت "كتابيًّا" مساعدة قوات الأمن الإسبانية، وأكد أنَّ قوات الأمن ستواصل العمل وفقًا للطلبات الصادرة عن السلطة القضائية.

 

وقال مندوب الحكومة المركزية في كتالونيا إنريك ميجو: "كل هذا الأمر يبدو مهزلة، هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها تغيير قواعد اللعبة الديمقراطية قبل 45 دقيقة من موعد بدء التصويت".

 

وقال أنه لا توجد قوائم انتخابية مرئية ولا قدرة على تعداد الأصوات ولا أوراق اقتراع رسمية ولا مظاريف لتحتويها، ما يعني استحالة ضمان سرية التصويت، معتبرًا أنَّ الحكومة لن تتسامح مع محاولة البعض فرض أهدافهم.

 

وأوضح أنَّ الشرطة وقوات الحرس المدني تصرفت بمهنية، وأنَّ "ما يحدث ليس استفتاءً ولا شيئًا آخرًا يشابهه"، مطالبًا رئيس الإقليم بإعادة النظر في موقفه.

 

من جهته، قال زعيم الحزب الاشتراكي في كتالونيا ميكيل إيثيتا إنَّ أي عمل أمني غير مقبول، معتبرًا أنَّ كلًا من رئيسي الحكومة الإسبانية والإقليم لم يكونا على مستوى الأحداث، كما طالب بعدم تعكير التعايش الذي ما زال قائما في كتالونيا.

 

لم تغب الرياضة عن الأحداث، فيوجد بالإقليم أندية يتقدمها برشلونة، أثيرت بشأنها تساؤلات عن مستقبلها، فإدارة النادي الكتالوني طالبت الاتحاد الإسباني بتأجيل مباراته مع لاس بلماس في الليجا، إلا أنّ الاتحاد ألقى بالكرة في ملعب الشرطة التي سمحت بلعب المباراة، حيث انتهت بثلاثة نظيفة لأصحاب الأرض.

 

إدارة برشلونة قررت إقامة المباراة بدون جماهير بسبب الأجواء الملتهبة بالمدينة التي تشهد استفتاء الانفصال، كما رفض "الاتحاد" تأجيل المباراة، على الرغم من الاشتباكات بين المواطنين في كتالونيا ورجال الأمن.

 

واستمرارًا للحراك المعارض، تجمَّع عشرات المواطنين الإسبان في مدريد وبرشلونة، معترضين على استفتاء الانفصال، ووفقًا لصحيفة "كونفيدنثيال" انتشرت الأعلام الكتالونية والإسبانية، وتكررت الصيحات لصالح وحدة إسبانيا وكتالونيا.

 

وقالت صحف إسبانية إنَّ هناك عديدًا من المتظاهرين اشتبكوا في الشوارع، بعد وصف أحدهم لرئيس الحكومة الإسبانية، ماريانو راخوى، بـ"القذر".

 

وأوضحت الصحيفة أنَّ آلاف الأشخاص تجمعوا في بلازا دي سيبليس، لإظهار معارضتهم للاستفتاء الذى يجرى في كتالونيا، وتمَّ إطلاق عدد من الشعارات لصالح وحدة إسبانيا والدفاع عن قوات أمن الدولة، وتكررت عديد من الهتافات، منها "وحدة إسبانيا"، و"كتالونيا هى إسبانيا"، و"عاش الحرس المدنى"، و"اتحاد إسبانيا لن يُهزم".

 

وبحسب الصحيفة، انتقل تركيز المتظاهرين إلى لا بويرتا ديل سول، مطالبين بالسجن لرئيس كتالونيا كارليس بوديجيمونت، وكرروا هتافات "تحيا إسبانيا".

 

ردود أفعال كثيرة تصاعدت بشأن هذه الاستفتاء، فإعلاميًّا قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية إنَّ الاستفتاء يمكن أن يؤدي إلى المزيد من التنازع في الشارع الإسباني وفي الاتحاد الأوروبي.

 

الصحيفة أشارت إلى وجود فشل تاريخي في قلب قشتالة، البر الرئيسي التقليدي لإسبانيا، وأنه هو سبب صرامتها السياسية، وعندما تتراكم هذه العيوب في صراع كبير، كما هي الحال في الدفع الشرس من أجل استقلال كتالونيا، فإنَّ هذا الأمر يكون بمثابة وصفة مثالية لكارثة تهدد بتفكك إسبانيا ويمكن أن تضر الاتحاد الأوروبي أكثر بكثير من خروج بريطانيا منه.

 

ووصفت الصحيفة، الاستفتاء بأنَّه شكَّل من أشكال الاختطاف السياسي، حيث أنَّ القانون يحظره والمحكمة الدستورية قضت بذلك صراحة، كما لا يسمح به القانون الدولي.

 

وأضافت: "ليس هناك عجز ديمقراطي ولا خنق لصوت الشعب ولا تثبيط للتطلعات الثقافية أو الاقتصادية ولا قيود سياسية من أي نوع على كتالونيا، ودليل ذلك أنَّ مواطنيها صوتوا ست مرات في السنوات الخمس الماضية، وهي من أكثر الأقاليم ازدهارًا في إسبانيا، ومع ذلك فإنَّ الحكومة الإقليمية الانفصالية في كتالونيا تسير في استفتائها الثاني كشكل من أشكال التمرد السياسي خلال ثلاث سنوات".

 

وأوضحت أن "استفتاء كتالونيا" يمكن أن يجعل مدريد في مواجهة معها ويكون نذيرًا بحرب أهلية ثانية، حيث يبدو بشكل متزايد أنَّ كلا الطرفين لا ينوي التوقف قبل لحظة الاصطدام.

 

ورأت الصحيفة: "الاستفتاء بمثابة احتيال سياسي أكثر وقاحة لأنَّه بموجب قانون أقره البرلمان الإقليمي فإنَّ أغلبية بسيطة تكفي لتفويض الحكومة الإقليمية بإعلان الاستقلال".

 

أما مجلة "فورين بوليسي" فقالت إنَّه من غير الواضح مدى التزام الحكومة الوطنية بإجبار الاستفتاء على أن يكون في إطار النتيجة المفضلة، حيث أنَّ القوة الكاملة للقانون التي تحت تصرف مدريد واسعة، ومنها إمكانية إدراج مادة في الدستور تعلق الحكم الذاتي لأي منطقة متمردة ومن ثم تستولي على حكومة كتالونيا بشكل فعال.

 

وأضافت: "النتيجة الأكثر ترجيحًا للاستفتاء المقبل ستكون مثيرة للقلق بأنَّها امتداد للحالة الراهنة للواقع المزدوج الذي تواصل فيه القوى المؤيدة للاستقلال سعيها الخيالي من خلال إعادة تسمية المؤسسات القائمة، بينما يتقدم الجهاز القضائي ببطء لإصلاح الأمور على الورق، إن لم يكن في قلوب وعقول الكتالونيين".

المصدر : مصر العربية