السياسة مقاطعة أحيانا
السياسة مقاطعة أحيانا

أكدت مرارا وتكرارا فيما أكتب من مقالات وما أسطر من أفكار أن السياسة هي فن الممكن أقصى الممكن، فالسياسة هي فن التحرك في المساحات الشاغرة والمفتوحة وليس النزاع على ما تكاثرت عليه الأقدام.

كما أكدت مرارا وتكرارا أن السياسة مشاركة، وأن الأصل في العمل السياسي هو المدافعة (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) وأن الواقع لا يصنعه إلا من شارك فيه ومن ساهم في تشكله، فالواقع لا يصنعه المنعزلون ولا السلبيون ولا المتفرجون على الأحداث، مجرى النهر يصنعه من ساهم في تشكله.

إنما في بعض المراحل السياسية التي يثبت فيها يقينا عدم جدوى المشاركة تكون الكفة الأرجح للمقاطعة.

المشاركة في العمل السياسي وخاصة إذا كانت انتخابات رئاسية أو برلمانية تشكل الواقع السياسي ليست هدفا في حد ذاتها إنما ترجح المشاركة إذا أحدثت فارقا على الأرض وإذا صنعت أثرا إصلاحيا في مسيرة الوطن.

أما إذا كان الغرض من المشاركة هو إصباغ مسحة شرعية على مواقف هي باطلة من الأساس وليس هناك جدوى من مدافعتها فالأفضل هو ترك صاحبها يلاعب نفسه، تماما مثل هذا الذي لبس 22 فانلة وأخذ الكورة وأعطاها لنفسه ثم سجل هدفا في مرماه.

وعلى مدار سنوات طويلة من الكتابة الصحفية المنتظمة في الصحف والمجلات متفاعلا مع الشأن المصري العام لم أدع إلى مقاطعة الانتخابات إلا مرة واحدة وكانت الانتخابات النيابية التي جرت في 2010 عندما قبض أحمد عز على زمام الأمور في البلاد وليس فقط في الحزب الوطني وأقسم أنه لن يسمح بوجود أدنى معارضة للنظام، فكان العمل السياسي الصواب هنا –فيما ظننت- هو المقاطعة وكانت المقاطعة موجة شعبية عارمة آذنت بثورة 25 يناير المجيدة، حتى من شارك في جولتها الأولى خضوعا للحسابات السياسية الضيقة راجع نفسه في جولة الإعادة وأعلن المقاطعة.

وما أشبه الليلة بالبارحة، يقف الشعب المصري وقواه السياسية عاجزين عن إحداث تغيير سلمي عبر العملية الانتخابية وعبر صندوق الانتخابات، يقف الخلق جميعا مشدوهين أمام نظام أغلق كل منافذ التغيير أو حتى الإصلاح ويدفع الناس دفعا للانفجار بعد أن وصلت حالة الغليان الشعبي معدلات غير مسبوقة من الغضب المكتوم أحيانا أو المعبر عنه أحيانا أخرى.

لم يكن النظام بحاجة إلى مثل هذا الإخراج الذي يسيء له أكثر مما يسيء إلى قوى المعارضة، فالعالم يدرك تماما إلى أي حد وصلت الأمور ومن يتابع الصحف العالمية (الغربية تحديدا) يعرف أنهم مطلعون على حقيقة الوضع، فمرشح حفظ ماء الوجه لن يحفظ ماء الوجه، والمرشح الذي يعلن أنه سيعطي صوته لمنافسه ليس مرشحا حقيقيا، العالم يعرف ويدرك ومطلع على تفاصيل الموقف السياسي المصري.

لكنه عالم (غربي) في جملته منافق (أقصد النظم السياسية ولا أقصد الشعوب) لا تهمه إلا مصلحته، رئيس الجمهورية الفرنسية يقول أن الاسد يقتل الشعب السوري لكنه لا يقتل الشعب الفرنسي، وفرنسا تدور مع مصلحتها حيث دارت.

وأغلب السياسيين الغربيين لا يختلفون عنه كثيرا، هم يدرون مع مصالح دولهم حيث دارت، إنما هم يعرفون حقيقة الأوضاع وما آلت إليه في الدولة المصرية كما يعرفون أبنائهم.

والخلاصة أقول إن الناس بوعي وإدراك منها لن تشارك في معظمها في مسرحية الانتخابات القادمة، فما يسمونهم الناس العاديون هم أشد وعيا وأكثر إدراكا مما تظن كثير ممن يسمون أنفسهم بالنخب أو المثقفين.

الناس لا تتحمل عناء المشاركة إلا إذا أيقنت أن صوتها له ثمن في إصلاح الأحوال، وأن نزولها سيفرق في تغيير مجرى النتائج، أما إذا أدركوا أن الطبخة تتم في الغرف المغلقة فهي بوعي منها وعن سابق إرادة تعزف عزوفا شديدا عن المشاركة، وهذا العزوف هو رأيها الحقيقي في الواقع الذي تعيشه.

صحيح أن النظام الدستوري المصري لا يعطي اعتبارا للشرائح المقاطعة حتى لو كانت أغلبية، إنما يكفي تلك الكتلة المقاطعة أنها عرت النظام وتركته وحيدا يواجه مصيره في لجان انتخابية خاوية على عروشها تنعي من أراد أن يزيف إرادتها في مسرحية هذلية هزيلة تفتقد أدنى مقومات الاحترام الشعبي.

الناس أزكى بكثير مما يظن الحاكم والزمّار.

المصدر : المصريون