فيلم "الغرفة" .. مدارات السؤال الفلسفي والبحث عن الحقيقة
فيلم "الغرفة" .. مدارات السؤال الفلسفي والبحث عن الحقيقة

ثمة استعارة عربية تقول "أتحملني أم أحملك؟" يمكن ترجمتها على إيقاع فيلم "الغرفة"، وحمولته الفلسفية للمخرج الايرلندي ليني أبرهام سون، إلى "أيحملني الفيلم أم أحمله؟".

يمكن تقسيم فيلم "الغرفة" (118 دقيقة/ 2015) وهو من إنتاج مشترك إيرلندي/ كندي، إلى أربعة فصول أساسية: في الفصل الأول أم في ريعان شبابها صحبة طفل اسمه جاك، يكمل خمس سنوات ويحتفل بعيد ميلاده بلا شموع في غرفة لا تتعدى ثلاثة أمتار ونصف.

الغرفة بكاملها عبارة عن منزل صغير بسرير وخزانة ومطبخ ومرحاض وتلفزة..تكفي لحاجيات الإنسان، وباب من حديد متحكم فيه بأزرار إلكترونية، وفي سقفها سقيفة زجاجية مربعة صغيرة تدخل منها أشعة الضوء والشمس. الغرفة الصغيرة مطلية بلون يميل إلى الصفرة، في دلالة على حالة الاكتئاب الشديدة التي تعاني منها الأم والطفل. مشاهد هذا الفصل تستمر 50 دقيقة، وهي عبارة عن عمل روتيني تقوم به الأم والطفل كل يوم مدة خمس سنوات...الطفل جاك ينهض في الصباح ويقوم بإلقاء التحية على الأشياء الصغيرة داخل الغرفة ثم يتناول وجبات الطعام، مع الحديث مع الأم ومشاهدة التلفزة وطرح الكثير من الأسئلة المقلقة...

مشاهد هذا الفصل الأول من الفيلم صورت بلقطات متوسطة أو بلقطات أمريكية، وفي بعض الأحيان تكون الكاميرا محمولة على الكتف وقريبة من الشخصيتين المحوريتين في الفيلم، وهو أسلوب عمد إليه المخرج ليبرز درجة القرب والحب بين الشخصيتين، وأن مصير الطفل مرتبط بمصير الأم.. ويبرز كذلك الحنان والأمومة التي تمنحها الأم للطفل.

داخل هذا الفضاء المغلق نرى من سقيفة الغرفة الزجاجية تبدل الفصول: فصل الشتاء وتساقط الأوراق وهطول المطر وانحباس الثلج في الأعلى وصفاء الطقس، ودائما الكاميرا تتجول بهدوء لتبرز لحظات فرح طفولي للطفل مع أمه وهما يلعبان ويستحمان، وحكي الأم لقصص على شاكلة أليس في بلاد العجائب... لا يعكر صفوهما سوى شخصية نيك العجوز بلحيته الكثيفة ونظرته القاسية وتعنيفه للأم وممارسته الجنس عليها، بينما الطفل يرمق وينام في الخزانة الصغيرة ومعه تتسلل الكاميرا من الخزانة في رؤية هذا المشهد.. والطفل جاك يحبس أنفاسه ويعد الأرقام حتى تنتهي العملية الجنسية. يتكرر مشهد الجنس أكثر من مرة، في عملية إيحاء جميلة دون أن يغوص المخرج في تفاصيل المشهد.

ضجر الأم ومللها يدفعها إلى التفكير بشكل جدي في الهروب من الغرفة بأي طريقة، وتتحدث مع الطفل أن يؤدي دور المريض ليحمله الرجل نيك إلى المستشفى وتفشل الخطوة الأولى لتنتقل الأم إلى الخطة الأخطر.. توصي طفلها أن يحبس أنفاسه ويؤدي دور الميت ملفوفا في زربية ومن ثمة سيعمل نيك إلى حمله خارجا ومن هناك محاولة الهرب.

يبدأ الفصل الثاني ببكاء الأم وعويلها المر أن طفلها مات بسبب عدم السماح لهما بالخروج، فتنجح الخطة ويحمل نيك الطفل خارج الغرفة. بفتح باب الغرفة نرى للوهلة الأولى في الفيلم أن الغرفة عبارة عن غرفة تابعة لمنزل مجاور محاطة بسور ومطوقة بشكل لا يمكن سماع صراخ المرأة في حديقة المنزل. يضع نيك الزربية وداخلها الطفل بالشاحنة ويحاول جاك الخروج من الزربية وبعد توقف الشاحنة الصغيرة يقفز الطفل الصغير وهو يصيح " النجدة..ساعدوني ". كانت هذه الكلمات كافية ليتدخل رجل لحماية الطفل ويتدخل بعده رجال الشرطة ومعرفة مكان الغرفة وإنقاد الأم وإلقاء القبض على المغتصب وتحويل الضحيتين إلى غرفة زرقاء فسيحة بالمستشفى.

من المشاهد المؤثرة في الفيلم مشهد الأم (أدت دورها بري لارسون) وهي تخرج من الغرفة في حالة هستيريا باحثة عن طفلها (أدى دوره الطفل جاكوب ترمب لاي) وعناق شديد محموم بالبكاء وبفرحة الخروج من الغرفة / الكهف. تحضر زوابع الإعلام والمتابعات والتغطيات الصحافية لنكتشف أن ضحية تم اقتيادها واغتصابها قسرا لتلد داخل الغرفة. يكتشف المشاهد أن الفيلم يتحدث عن الاغتصاب، وأن المخرج قام بتقديم موضوعة الاغتصاب كخلفية للفيلم دون أن يأخذ بأسبابه، ولكن صور مشاهد التعايش مع الاغتصاب والحالة النفسية للأم المنهارة مع طفلها.

يحضر الجد (ويليام هــ . ماكي) والجدة (جوان ألين) لمؤازة ابنتهما المغتصبة والمحبوسة، لتكتشف الابنة طلاقهما، وأن الأب لا يرغب في رؤية الطفل أو التمعن في عيون جاك الصغير..باعتباره لقيطا وابن سفاح واغتصاب. ويرحل الجد مخلفا وراءه صدمة كبرى للأم المغتصبة.

مشاهد هذا الفصل من الفيلم ترتكز أساسا على مشاهد الهرب والشارع والسماء وغرفة المستشفى والمنزل المطوق بكاميرات الصحافيين. تتخذ الكاميرا في هذه الجزء وضعية المتابع للحدث، مع السرعة المطلوبة في تغطية الحدث.

ننتقل إلى الفصل الثالث من الفيلم، وهو عبارة عن مشاهد داخل منزل الجدة صحبة زوجها الجديد (طوم ماك كامي) المتفهم، ومعاناة الأم المغتصبة وعدم قدرتها النفسية على تحمل عبء خمس سنوات من الاغتصاب، وطفل صغير لا يرغب الجد في رؤيته، فتقدم على عملية الانتحار.. ويتدخل الطفل بالصراخ لإنقاذ الأم وحملها إلى المستشفى. في هذه المشاهد يخيم الخوف على الطفل ولا يتكلم إلا مع والدته.

تبدأ حالة من التعايش بين الجدة وزوجها والطفل الصغير في الاستئناس بالحياة الجديدة، بعيدا عن الأم التي تخضع للعلاج في المستشفى، ليقرر الطفل حلق شعره الطويل وإرسال ضفيرة الشعر الطويلة إلى والدته. يكتشف المشاهد أن الطفل كان يشبه إلى حد كبير طفلة طيلة الفيلم (حوالي 100 دقيقة من عمر الفيلم) وأن حلق شعره هو قطيعة نفسية مع ما تحفل به الغرفة من ذكريات أليمة له ولوالدته. نكتشف الطفل الذكر/ الرجل وهو يتحرر من الخوف، والقادر نفسيا على اللعب مع طفلة الجيران والذهاب صحبة الجدة إلى التسوق واللعب مع الكلب في الحديقة رفقة زوج الجدة؛ وهي مؤشرات على بداية تعافي الطفل/ الأم مما عاشاه داخل الغرفة، لتبوح الأم للطفل: "لقد أنقذتني مرتين، الأولى من الغرفة والثانية بإرسال ظفيرة الشعر إلى المستشفى".

الفصل الأخير في الفيلم هو عبارة عن مشاهد قصيرة جدا لا تتعدى بضع دقائق، يطلب فيها الطفل جاك من الأم مصاحبته للغرفة لرؤيتها للمرة الأخيرة..فتلبي الأم طلب الطفل الصغير، وبصحبة الشرطة يدخلان إلى الغرفة ويتساءل الطفل عن الحاجيات التي كانت موجودة هناك وعن رسوماته وتجيب الأم أنها قرائن حملها رجال الشرطة... يتجول الطفل صحبة الأم بالغرفة وهو يلامس ما تبقى من الأشياء الصغيرة وهو يودعها شيئا شيئا، كما كان يلقي بتحيته الصباحية..ويخرجان من الغرفة لينتهي الفيلم.

يحيل عنوان الفيلم (الغرفة) على جريمة نكراء، وهي بشاعة الاغتصاب في غرفة مظلمة، الذي لم يشاهد أي أحد مرارته وقسوته وما عانته بطلة الفيلم خلال خمس سنوات. الغرفة في لونها المائل إلى الصفرة والسواد كناية على الألم والمرض وحالة العزلة التي قضتها الأم داخل هذه الغرفة/ الزنزانة بشكل لا اختياري وبدون محاكمة.

من الجانب التقني، المقلق في الفيلم هو قيام المخرج بحالة من التشبيه بحبس الأم والطفل في الغرفة مع حبس المشاهد/ المتلقي خمسين دقيقة...وهي مدة قصيرة ولكنها فظيعة على المشاهد ليشعر بحالة الحبس الحقيقي التي عانت منه الأم خلال خمس سنوات. سيناريو محبوك بشكل جيد عن رواية للكاتبة إيما دونوك، وهي نفسها التي كتبت حوار الفيلم. وتوزعت لقطات الفيلم بلقطات متوسطة وقريبة وبزوم مركز على القسمات والوجوه وبعض أطراف الجسد.

تأتي مهارة المخرج الإيرلندي ليني أبرهام سون (26يناير1966 دبلان / ايرلندا) من خلفيته الثقافية التي تمتح من الحس الفلسفي والانشغال بالأسئلة أكثر من البحث عن الإجابات، ومن التركيز بشكل كبير على أسطورة الكهف لأفلاطون، إذ إن من يقطن الكهف يعتقد أن الظلال التي تقدمها الشمس عبارة عن أشخاص حقيقيين، وهنا يتم تعويضها بالتلفزة وسؤال الطفل من هو الإنسان؟ هل الرسوم المتحركة أم الممثلون؟ أم الأشخاص العاديون؟ وتجيب الأم في الجانب الآخر هناك الحقيقة. مهارة المخرج وقدرته على تبسيط الأسئلة على لسان طفل باستحضار شخصية أليس في بلاد العجائب، لما راكمه خلال تجربته السينمائية من أفلام روائية طويلة "أدم وبول" (2004) و"المرآب" (2007) و"ماذا فعل ريتشارد؟" (2012) و"فرانك" (2014). وكل هذه الأفلام تحمل أسماء أبطالها.

تحضر مقاطع موسيقى ستيفن ريكنس في المواقف الصعبة وفي المشاهد التي تتأسس على انفعالات الطفل والأم: مشهد اللعب، مشهد الهروب، مشهد زيارة، مشهد الانتحار، مشهد الغرفة وتوديعها... موسيقى حالمة وتأملية تنسجم بشكل كلي مع الحالة النفسية وحالة الإحباط للمغتصبة واضطراب الطفل.

حظي فيلم "الغرفة" باستقبال حافل، سواء من حيث نسبة المشاهدة أو المتابعة الإعلامية أو نيله لجوائز سينمائية عالمية وترشيحه لأربع جوائز أوسكار (2016) أو فوزه بجائزة غولدن غلوب الأمريكية (2016) عن أفضل دور لبطلة الفيلم الممثلة الشابة بري لارسون التي جسدت دور الأم ببراعة فائقة.

يعلمنا الطفل جاك في الفيلم كيفية طرح الأسئلة دون تصديق الأجوبة المقدمة لنا بسرعة فائقة، ولو كانت من خلال المقربين، ويدفعنا إلى اكتشافها والبحث عنها...وهذا يحملني إلى مدارك التساؤل والبحث عن الحقيقة خارج الغرفة/ خارج الكهف/ خارج خطاب الأم/ خارج جهاز التلفزة بالاستخدام الجيد للعقل وبالتجربة وطرح مزيد من الأسئلة وبأحاسيس إنسانية معاشة.

المصدر : جريدة هسبريس