سل صيامك مع "سالفة جحا والمرابي".. هل تسدد قرضاً بكيلو من "لحم جسمك"؟
سل صيامك مع "سالفة جحا والمرابي".. هل تسدد قرضاً بكيلو من "لحم جسمك"؟

هل توافق على تسديد دين اقترضته بكيلو من اللحم يقتطع من جسدك إذا لم تجد نقودا؟ وماذا إذا حكم قاض بالوفاء بالدين لحما؟ هذا ما حدث في "سالفة جحا مع المرابي" التي قدمها الكاتب وجامع الحكايات السعودي عبد الكريم الجهيمان في كتابه "أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب"، وهي تقريبا نفس قصة التاجر أنطونيو مع المرابي اليهودي شايلوك والتي قدمها الكاتب الإنجليزي وليم شكسبير .

وكأنما شكسبير قد زار السعودية من قبل، أو ترك تأثيره في بعض كتاب ومثقفي السعودية في الماضي، ففي مسرحية شكسبير الشهيرة "تاجر البندقية"، يصر المرابي اليهودي شايلوك على أن ينص العقد الذي وقعه مع أنطونيو على أنه في حال عدم الوفاء بتسديد القرض في موعده أن يأخذ مقابله رطلاً من لحمه، ولكن محام بارع يقلب القضية على المرابي.

سالفة "جحا والمرابي"

وفي سالفة "جحا والمرابي" يقدم الجهيمان تقريبا نفس الحكاية، والتي يرويها نقلا عن صالح الجهيمان، ونتوقف عند الجزء الثاني من السالفة (الحادثة التي وقعت)، والتي تبدأ عادة بعبارة "قال أحد الأطفال للجدة: في هذه الليلة، قصي علينا سالفة جحا مع المرابي، فقالت الجدة: حبا وكرامة .. هنا هاك الواحد .. والواحد الله في سماه العالي، وإلى جحا ولد على، كان يكره الربا والاحتكار واستغلال ظروف الناس القاسية لسلب أموالهم وأخذها بالباطل وهو لا يستطيع أن يزيل هذه الأوضاع ولا أن يقتلع هذه العلة الاجتماعية من جذورها ".

كيلو من اللحم

"جاء إلى هذا المرابي رجل مضطر إلى شيء من المال، فقال المرابي: إنني سوف أعطيك ما تريده .. كثيرا أو قليلا، العشر خمسة عشر.. فقبل هذا المحتاج هذا العرض مهما كان فيه من إجحاف ظاهر وخسارة كبيرة .. وقال المرابي: إن لدي شرطا واحدا .. لا يمكن إتمام الصفقة إلا بقبوله .. فقال الرجل المحتاج: وما هو ؟!

قال المرابي: إذا حان موعد تسديد الدين ولم تسدده فإن لي الحق في أن أقطع من جسدك لحمة مقدارها كيلو جرام.

كان الرجل مضطرا إلى المبلغ، كما أنه لم يجد أحدا من التجار يعطيه المال، خوفا من عدم تسديد الدين في حينه، فقبل الرجل هذا الشرط القاسي .. على مبدأ: أن للأمر حلا، وكما يقول المثل أحيني اليوم وأقتلني بكرة!!

عجز عن السداد

وجاء موعد تسديد الدين.. ولم يكن عند الرجل أي شيء لتسديده وطلب منه المرابي أن يفي بالشرط، وهو أن يقطع نصف كيلو لحمة من جسده .. وكبر على المدين هذا الأمر، وبدأ يفكر في خطورة هذا الشرط وبشاعته، وقال للمرابي: إن هذا شرط باطل .. ولا يمكن تنفيذه .. فطلب المرابي أن يذهبا للقاضي ليحكم بينهما حكما شرعيا .. وذهبا إلى القاضي وادعى المرابي ودافع الفقير عن نفسه.

أمام القاضي

لكن القاضي قال إن المتبايعين على شروطهما .. والشرط أملك .. ولا بد من التسديد أو الوفاء بالشرط .. وهو قطع المقدار المحدد من جسدك .. وحاول الفقير أن يغير القاضي رأيه .. ولكن القاضي أصر .. فقال الفقير أمهلوني إلى الغد .. لأبذل جهدي في الحصول على المبلغ .

مشورة جحا

تفرق الخصمان وذهب الفقير إلى جحا حالا، وأخذه جانبا وقال له إن لدي مشكلة هي كيت وكيت وكيت .. وقص عليه القصة من أولها إلى آخرها .. فقال جحا، علي أن أجعل القضية في صالحك وأن يسقط الدين الذي عليك، وأن تأخذ عليه زيادة مبلغ من هذا المرابي الجشع.

اطمأن الرجل إلى قول جحا لأنه يعرف علمه وفضله وسداد منطقه وقوة حجته، وقال الفقير إن القاضي ضرب لنا موعدا في الساعة الفلانية من يوم الغد، فقال جحا الموعد عند القاضي، وذهب الثلاثة؛ الخصمان وجحا كمحام للدفاع عن قضية الفقير.

جحا يطالب بتنفيذ الحكم

قال القاضي بعد أن جلسوا أمامه في مجلس القضاء: ماذا لديكم ؟ وهل أحضرت للرجل ماله ؟ فقال الفقير إني لم أجد من يعطيني مالا بدين، وليس لدي شيء أبيعه، وقد وكلت جحا للدفاع عن قضيتي، فأنا لا أستطيع أن أدافع عن نفسي، ولا أن أشرح وضعي وأفصح عن حجتي، ولعل جحا يشرح لكم من وضعي يا فضيلة القاضي ما يقنعكم بالعدول عن الحكم، وإنظاري إلى ميسرة!!

فقال القاضي لجحا: ماذا لديك من دفاع؟! فقال جحا: ليس لدي دفاع، وإنما أريد أن أسمع الحكم في القضية من فضيلة القاضي، ومبررات هذا الحكم وحيثياته، فقال القاضي: إن الأمر كذا وكذا وقد اشترط هذا التاجر أن يأخذ من جسد هذا الرجل قطعة لحم مقدارها نصف كيلو إذا لم يسدد المبلغ في موعد التسديد.

كيلو جرام لحم.. لا أكثر ولا أقل

فقال جحا: قد قبلنا حكم فضيلة القاضي، ورضينا بأن يقطع كيلو لحم من جسده، وإنما على شرط أن لا يزيد على ذلك.. فإن زاد فإن عليه أن يعيد الزيادة إلى موضعها، وإلى حالتها الطبيعية، وإذا لم يستطع فإننا نطلب أن يؤخذ من جسم هذا التاجر بمقدار ما قطع من الزيادة.

فقال القاضي: هذا لكم.. قوموا من عندي ونفذا حكمي على هذا الأساس الذي ذكره جحا!!

فقاموا من عند القاضي وطلبوا من التاجر أن ينفذ الحكم!!

ورأي التاجر أن الأمر صعب جدا، وأن هناك خطورة في الزيادة أو النقص، ومن ثم خطورة في تعريض حياته للخطر، وهذا فقد رأى من الأسلم أن يتخلص من هذه الورطة بأي ثمن، وأن يدخل مع جحا في مفاوضات، لعله يظفر فيها بالخلاص!!

خسارة المرابي

وبدأت المفاوضات، وقال التاجر إنني مستعد للتنازل عن قطع اللحمة، ومستعد بالصبر وتأجيل دفع المبلغ إلى ميسرة، فقال جحا إنني نيابة عن موكلي لا أقبل اقتراحك ولا رأيك، وإنما أقبل حكم القاضي، وأطلب تنفيذه حالا، فقال المرابي: هناك حل آخر وهو أنني مستعد بالتنازل عن الدين جملة وتفصيلا!!

فقال جحا: إنني نيابة عن موكلي لا أقبل هذا التكرم ولا هذا التنازل، وأصر إصرارا جازما بتنفيذ الحكم، فقال المرابي: لدي حل ثالث، وهو أن أتنازل عن الدين وأدفع زيادة عليه مبلغا يساويه أدفعه نقدا، فرفض جحا واستمرت المساومة والأخذ والرد، إلى أن استقرت المساومة على أن يدفع المرابي مبلغا يعادل الدين خمس مرات!!

وعندئذ قال جحا إنني لا أستطيع البت في هذا الموضوع وحدي، بل لابد من الرجوع إلى صاحب الحق، فهو الذي له الكلمة الأخيرة فيه.

نهاية سعيدة

ذهب جحا إلى موكله فأخبره بهذه النتيجة، فسر سرورا عظيما، وكاد أن لا يصدق بها، ولولا أن جحا معروف لديه بالصدق والأمانة، كما أنه معروف بسداد الرأي وقوة الحجة، والدراية الكاملة بشبكات المرابين التي ينصبونها للناس، وطرق التخلص من تلك الشبكات!!

فقبل هذا الفقير ما وصلت إليه نتيجة المساومات، وعاد جحا إلى ذلك المرابي، وقال لقد أقنعت موكلي بقبول ما توصلنا إليه من نتيجة، وإنني أريد أن تدفع المبلغ حالا، لئلا يأتيه من يغير رأيه فينقلب، وتعود المشكلة من جديد!!

فدفع له المرابي ما اتفقا عليه نقدا وعدا، وذهب جحا بالمال إلى موكله فصبه في حجره، فكاد أن يطير من الفرح بهذا الرزق الذي جاءه من حيث لا يحتسب.

ورجع الرواي من عندهم لم يعطوه دينارا ولا درهما، وكملت وحملت وفي اصيبع الصغير دملت".

المصدر : سبق