وكيل إمارة عسير "الجريش" وهمسة التنبؤ بدنو الأجل.. تفاصيل وذكريات يرويها ابنه
وكيل إمارة عسير "الجريش" وهمسة التنبؤ بدنو الأجل.. تفاصيل وذكريات يرويها ابنه

يمر شريط الحياة سريعا كلمح البصر، حاملا في طياته تفاصيل عيش البشر، ذكرياتهم آمالهم وطموحاتهم، فينتهي به المطاف إلى بوابة الموت المشرعة للجميع دون استثناء.. الموت هذه الكلمة المرعبة والمفزعة، التي ينعقد بها اللسان، إنه جسر موحش سنعبره لا محالة، ولكن يبقى خيط الأمل ممتدا، رغم أن أولئك الذين رحلوا عن الدنيا طبعوا في دواخلنا الحذر والترقب، وتركوا في قلوبنا الشوق العميق الذي تترجمه العينين بلغة الدموع المنهمرة، خصوصا أولئك الذين تركوا خلفهم أعمالا جليلة.. ذكرى طيبة ، بصمة واضحة، وأثرا بالغ الجمال، متمثلين قول الشاعر: وكن رجلا إن أتوا بعده .. يقولون مر وهذا الأثر.

نتوغل بعمق في سيرة المغفور له - بإذن الله - سليمان بن محمد الجريش وكيل أمارة منطقة عسير، الذي استُشهد في حادثة تحطّم طائرة عسير الشهيرة برفقة نائب أمير المنطقة وعدد من المسؤولين - رحمهم الله جميعاً – بعد أن ترك في مكتبه بالإمارة ورقتين تنضحان بالإيمان الصادق، وصفاء السريرة، والتنبؤ بدنو الأجل، حيث يقول عبرها :" اللهم إنك تعلم مدى الجهد الذي نبذله في خدمة مصالح الناس وقضاء حوائجهم، اللهم إنك تعلم أنني أدرك أن هذه المسؤولية عظيمة، وأنني أشد حرصاً على العمل بما يبرّئ الذمة وبما يغنيني بك عن غيرك، وبما يبعدني عن ظلم أي شخص أو الإضرار به، فاللهم ارحم ضعفي وأحسن تدبيري في كل الأمور وأحسن خاتمتي.. أنت حسبي ونعم الوكيل ورجائي فيك وفي عدلك ورحمتك يعادل خوفي منك ومن عقابك ومحاسبتك، فارحم حالي وأحسن وفادتي إليك.. كلي أملٌ ورجاءٌ بعفوك وتفضلك بقبول توبتي، فالاشتياق إلى لقائك لا يغيب عن بالي، فأنت نعم المولى ونعم النصير، اللهم إنني مسامح كل مَن أساء إليّ أو تعرّض لي برجاء الجزاء منك والإحسان لكل مسلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم".

وكان " الجريش " قد حصل على شهادة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية من جامعة الملك عبدالعزيز، والماجستير في القانون الجنائي من جامعة نايف، ودبلوم التطوير الإداري من معهد الإدارة، إلى جانب أنه التحق بعديد من الدورات في المجال الإداري، والحقوقي، والجنائي، والمحاماة والاستشارات، ومثّل المملكة في المحكمة الجنائية الدولية.

ومن مؤلفاته؛ الجريمة والفساد، والخدمة المدنية في السعودية. الصادر عام ١٤١٢، والفساد الإداري وجرائم إساءة استعمال السلطة الوظيفية، الصادر عام ١٤٢٤، والمستجدات الحديثة في نظام الإجراءات الجزائية، بالإضافة إلى كتاب شرح تطبيقي لنظام الإجراءات الجزائية في المملكة، وعدد من البحوث والدراسات المتخصصة.

وتقلد عدة مناصب حيث عمل في وزارة الخدمة المدنية حتى عام ١٤١٥ه، وعمل أمينا عاما لمجلس هيئة التحقيق والإدعاء العام حتى عام ١٤٢٨، ومديرا عاما للإدارة القانونية في هيئة تطوير المدينة المنورة حتى عام ١٤٣٠، بعد ذلك عُين وكيلا لإمارة منطقة المدينة المنورة في 2/3/1431، ثم وكيلا لأمارة منطقة عسير في 16/1/1435 إلى أن توفاه الله.

وتحدث ابنه " عبدالله " لـ "سبق" عن مراحل في حياة والده الأسرية، حيث قال :" كان رحمه الله يحب العطاء ففي بداية كل شهر ومع إعلان رؤية هلال رمضان المبارك ،يقوم بتوزيع أجود أنواع التمور على الجيران والأصدقاء والأهل، حيث كان يؤمن أفضل التمور من منطقة القصيم ويقوم بتخزينها لتوزيعها في هذا الشهر الفضيل ليكسب أجور تفطير الصائمين".

وتابع : كان والدي - رحمه الله - يحب العمل في نهار رمضان، إذ كان يذهب إلى العمل صباحا ويعود في المساء ليرتاح قليلا ثم يستيقظ ويشرع في قراءة القرآن الكريم حتى أذان صلاة المغرب.. ويشارك أبناءه وأحفاده الإفطار ويمازحهم ويستمع معهم.

وأشار إلى أنه طيلة أيام شهر رمضان يستقبل والده عدداً من الضيوف على وجبة الإفطار وكان يحث أبناءه على دعوة أصدقائهم، ويتفقد المسئولين في المنطقة ويدعوهم إلى حضور الإفطار ومن يرفض الحضور يرسل إليه الإفطار للمنزل ، خصوصا الذين تكون أسرهم خارج المنطقة.


وقال : كان يتكفل بإفطار الصائمين في مسجد الحي كل عام ويصر على انتقاء أفضل المطاعم لإدارة ذلك، ويستقبل الزكاة والصدقات من رجال الأعمال والأقارب والأصحاب، ويوزعها بنفسه لتفقد الفقراء والمحتاجين والوقوف على أحوالهم مباشرة.

وكان يخصص يوما في شهر رمضان للإفطار مع أبناء دار الأيتام سواء في منطقة المدينة أو في عسير، ويأخذنا للإفطار معهم، ويوزع عليهم الهدايا .

يقول "ابنه عبدالله" : تعلمنا من والدنا أن بر الوالدين هو بركة الحياة، وتعلمنا أيضا أنه لا فرق بين سيد أو خادم فكل الناس سواء، وأن التربية بالقدوة ليست بالقوة.

وقال أما في العمل؛ فتعلمنا أن نسعى في تسهيل أمور العباد وخدمتهم وليس فقط كسب المال ، وعدم الاكتراث للمناصب والمسميات، وأن الإدارة ليست تصيداً للأخطاء ولكنها مسؤولية وتكليف، وأن الأخلاق الحسنة هي رأس مال الإنسان والإرث الحقيقي الذي يعتز به.

المصدر : سبق